سعادتى لا توصف بحصول المرأة السعودية أخيراً على حقها البديهى الشرعى الإنسانى فى قيادة السيارة كخطوة موازية لخلع النقاب الذى بدأت الكثيرات منهن فى خلعه، وحزنى أيضاً لا يوصف بما حدث للمرأة المصرية من ظهور دعوات رجعية، مثل تشجيع الزوج على الزواج من أربعة، ومناداة أعضاء برلمان بضرورة الختان، وظهور قانون الأحوال الشخصية الجديد الذى سيخصم من مكتسباتها التى حاربت من أجلها عشرات السنين، وانتشار النقاب فى شوارع المحروسة بصورة لافتة للنظر، رغم أننا دولة تعانى من الإرهاب، وكشف الهوية فى تلك الظروف هو بديهية أمنية وإنسانية ملحة، لذلك لا بد ألا تنسينا احتفالات المرأة السعودية بهذا الانتصار المستحق أن المرأة المصرية منذ 85 سنة قادت الطائرة!. سيناريو المقارنة يفرض نفسه، ليس لضرب كرسى فى كلوب فرحة المرأة السعودية، فنحن فرحون معها وإلى جانبها، ولكن المقارنة للحسرة على التراجع والتقهقر وتزييف الوعى الذى حدث للمرأة المصرية، فأصبحت تسعى لقيودها، وباتت تكافح من أجل قهرها وسجنها، وتخدع نفسها بأن الكلبشات هى أساور ذهبية وغوايش زفاف!. لذلك لا بد أن تدرّس سيرة حياة لطفية النادى فى المدارس حتى يعرف الأطفال أنه فى سنة ١٩٣٣ طارت بنت مصرية جسورة شجاعة متحررة مستقلة فخورة بأنوثتها لا تخجل من تاء تأنيثها معتزة بكونها امرأة، طارت من القاهرة إلى الإسكندرية، وفى رحلاتها التى كسرت بها حاجز الزمن والخجل والقهر والقمع صحبت والدها الذى كان رافضاً فى البداية لقرار الطيران لكى يعرف أن الأنوثة ليست إعاقة. امرأة حديدية عنيدة لم تيأس حين رفض الوالد قرارها فى البداية ومنع عنها الدعم المادى فضلاً عن الدعم النفسى، فلجأت إلى «كمال علوى» مدير عام مصر للطيران، وعندها قرر دعماً لها أن تعمل فى المدرسة وبمرتب الوظيفة يمكنها سداد مصروفات تعلم الطيران، فى سن السادسة والعشرين قررت هذه الفتاة المصرية الجميلة التى تنتمى إلى ثقافة تترجم المرأة فى هذه السن إلى حمل ورضاعة وعزلة وماكينة تناسل، كانت لطفية تحضر دروس الطيران مرتين أسبوعياً دون علم والدها، إلى أن حصلت على إجازة طيار خاص سنة 1933، وكان رقمها 34، أى لم يتخرج قبلها على مستوى مصر سوى 33 طياراً فقط جميعهم من الرجال، لتكون بذلك أول فتاة مصرية عربية أفريقية تحصل على هذه الإجازة، تَمكّنت من الطيران بمفردها بعد ثلاث عشرة ساعة من الطيران المزدوج مع مستر كارول كبير معلمى الطيران بالمدرسة، فتعلمت الطيران فى 67 يوماً، اشتركت لطفية فى سباق الطيران الدولى وحصلت على المركز الأول ولكن حُجبت عنها الجائزة لخطأ فنى بسيط، لكن أرسلت لها هدى شعراوى برقية تهنئة قالت فيها «شرّفت وطنكِ، ورفعت رأسنا، وتوجت نهضتنا بتاج الفخر، بارك الله فيكِ». وبمناسبة هدى شعراوى لا بد أن تعرف البنت المصرية الآن كيف كانت هذه السيدة العظيمة تدعم بنات بلدها، تولت هدى شعراوى مشروع اكتتاب من أجل شراء طائرة خاصة للطفية لتكون سفيرة لبنات مصر فى البلاد الأجنبية التى تطير فيها، انفتح الباب بعد ذلك لبنات مصر لخوض التجربة فلحقت بها «زهرة رجب» و«نفيسة الغمراوى» و«لندا مسعود» و«بلانشى فتوش» و«عزيزة محرم» و«عايدة تكلا» و«ليلى مسعود» و«عائشة عبدالمقصود» و«قدرية طليمات»، ومنذ ١٩٤٥ توقف هذا المد النسائى العظيم حتى عادت البنت المصرية على استحياء وبنضال صعب وقاس فى مجتمع صار يعتبرها عورة شيطانية متحركة. نقول ألف مبروك للمرأة السعودية، وسنقاوم أن نقول لا عزاء للمصرية، لأن المرأة المصرية قوية ولن ترضخ لتلك الفاشية الدينية التى تريد حبسها وقتلها وتزييف وعيها، كل ما تعانى منه المرأة المصرية الآن قشرة لم تصل بعد إلى نواة الوعى وجوهر الروح، قبلة على جبين البنت والمرأة المصرية الوضّاء الذى لن ينحنى لرياح التخلف أبداً.