أن تحضر ولادة طفلك منذ صرخته الأولى طلباً للحياة، وتراقبه وهو ينمو وينجح ويتألق، هذه هى المتعة والهبة والمنحة. هذا ما حدث بالنسبة لى مع جريدة «الوطن» التى عاصرتها وهى ما زالت فكرة، وما زلت أتشرف بالانتماء إليها. جريدة «الوطن» هى مساحة حرية تحملت تمردى وخصامى مع السائد وتحليقى فى كثير من الأحيان خارج السرب.أهم ما يميز جريدة «الوطن» أنها أسرة تمارس الصحافة وليست مجموعة موظفين يمارسون مهمة روتينية يومية، يتنفسون المهنة ولا يمتهنونها، يعشقونها بالقلوب ولا يرشقونها بالحجارة.«الوطن» تستطيع أن تلخصها بأنها «عين العقل» بالتعبير المصرى الدارج، لا تبحث عن تريند، لكنها تبحث عن الحقيقة وعن مصلحة الوطن، تحرس العقل ولا تغيبه أو تزيف وعيه.«الوطن قوته فى ناسه»، كان هذا شعار جريدة «الوطن» منذ أن وُلدت وظهرت إلى النور فى أخطر مرحلة فى تاريخ مصر، و«ناسه» هم القراء، وأيضاً صُناع الحلم من الكُتاب والصحفيين، سبيكة تلاحُم وحب وتفاهم، جريدة «الوطن»، التى أشرُف بالكتابة فيها منذ أول يوم، بل حضرت مراحل التدشين الأولى والبروفات المبدئية لها، حضرتها وهى ما زالت جنيناً يتشكل، وأستطيع أن أقول بدون مجاملة إن الصحفى محمود مسلم كرئيس مجلس إدارة، والصحفى مصطفى عمار كرئيس تحرير، هما أوركسترا متناغم، يسعيان إلى هدف واحد هو مصلحة الوطن، ومصلحة القارئ.الصديق الصحفى الكبير محمود مسلم هو إدارى كبير وماهر ومهنى محترف أيضاً، وأهم ميزة لمستها عن قرب موهبته فى تكوين أسرة صحفية دستورها الحب، هو لا يقود موظفين وإنما يرعى أسرة، هو أخ أكبر للجميع، وملاذ لكل من دق على بابه، رغم مشاغله فهو يستمع بكل ود إلى شكوى الصغير قبل الكبير، وهذا هو سر نجاح الإدارة، أن تجمع بين الحب والصرامة، التسامح والحسم، أن يكون فى الشدة لين وفى اللين شدة، أن يكون الاحترام هو الباسوورد الحاكم فى علاقات الجميع، وأن يجيد المرء فى عمله ليس لأنه خائف ولكن لأنه محب، وكذلك الصحفى الشاب صاحب الابتسامة الهادئة واللقطة الصحفية الذكية اللماحة مصطفى عمار، يمارس الصحافة بروح المتصوف العاشق، ويتعامل مع أسرة الجريدة باحتضان الأخ الأكبر، صحفى يكتب بروح فنان، وفنان يلاحق الخبر بإيقاع عدَّاء الماراثون.«الوطن» عند كل أسرة الجريدة ليس مجرد عنوان لتلك الجريدة، ولكنه تلخيص للتنوع المصرى الموزاييك الجميل، لتلك الجدارية الغنية بكل ألوان الطيف، وكل أضواء وظلال التغيير والاختلاف والتمايز لا التمييز، أثبتت جريدة «الوطن» بالفعل أنها اسم على مسمى، وأن «الوطن قوته فى ناسه» بجد، وفى ثقة الجورنال بمكانته، وفى تقبله لكل الآراء، وبالطبع فى إخراجه وشكله وصورته التى يبدع فيها بمهارة دافنشى أستاذ الإخراج الصحفى د. أحمد محمود.أما دور «الوطن» فى أحداث مصر والوقوف إلى جانب الحفاظ على هويتها فلن تستطيع مقالة أن تلخصه، ولكنى سأذكر لكم ما سمعته من عضو حركة تمرد محمد عبدالعزيز الذى قال: «الوطن» كانت داعمة لحركة «تمرد»، فهى من أوائل الصحف التى نشرت عن الحركة منذ تأسيسها فى أبريل 2013، وكانت تحجز مساحات فى صفحتها الأولى لمؤتمراتنا والمسيرات والتحركات اليومية الخاصة بأعضاء الحركة، كانت هناك صعوبة فى توفير مكان لعقد مؤتمر صحفى لـ«تمرد» لتشجيع المصريين على النزول، ولن ننسى أنها فتحت أبوابها واحتضنت مؤتمر «تمرد» صبيحة يوم 3 يوليو، بعدما وجدنا صعوبة فى توفير مكان لعقد مؤتمر صحفى لـ«تمرد» لتشجيع المصريين على النزول.فضلاً عن دورها السياسى فهناك دور اجتماعى لا يقل أهمية، ولنستمع إلى إحدى السيدات من ذوى الهمم وهى تقول: جريدة الوطن هى التى غيّرت حياتى. أنا من ذوى الإعاقة، وكنت أعمل لسنوات فى بيع الخضراوات على تروسيكل للإنفاق على أبنائى ومساعدة زوجى المريض فى استكمال علاجه، وكان كل ما أتمناه هو كشك أعمل به ويكون مصدر الدخل لى ولأسرتى، ونشرت صحيفة الوطن قصتى ومعاناتى مع التروسيكل رغم إعاقتى، ومعها جاءت استجابة الرئيس بتواصله معى، ثم لقائه ووعده بتنفيذ كل متطلباتى، وفى النهاية تسلمت الكشك منذ شهرين وأعمل به وأصبح مصدر دخل لنا يساعدنا على الحياة.وأيضاً هناك السيدة البسيطة التى كنت شاهداً على وقوف «الوطن» بجانبها وهى تعيش فى بيت خارج الخدمة الآدمية، سمعتها تقول: شكراً لـ«الوطن» بعد أن وقفت بجانبى وساعدتنى وأنا وحيدة. كانت البداية بعدما انتشرت صورة لى فى منزلى المتهالك وأنا أجلس فيه وسط الطين بعدما تضرر من سقوط الأمطار فى موجة الطقس السيئ التى ضربت مصر فى مارس 2020، وتعاطف معى الكثيرون من أهل قريتى الذين كانوا يحاولون مساعدتى، حتى تواصلت معى جريدة الوطن، وبعدها تلقيت استجابة من وزارة التضامن بتوفير احتياجاتى ومسكن آمن لى، وأستمتع بالعيش فيه براحة شديدة الآن.«الوطن» مثلما كانت نافذة المتمردين على حكم الإخوان، كانت يد العون للفقراء المحتاجين، وهذا هو سر «الوطن».