هذا السؤال طرحته بعد أن مر شريط ذكريات طويل أمام عينى سريعاً حول تلك المناظرات، منه تجربة شخصية خُضتها فى برنامج فيصل القاسم منذ سنوات طويلة وأنا أخطو خطواتى الأولى فى عالم الكتابة والإعلام، ورغم أن كل أصدقائى قالوا لى إن حجتى كانت قوية، إلا أن الجمهور المشجّع لآراء الخصم لم يقتنع بكلمة مما قلت، وكأنتى كنت أصرخ فى وادٍ غير ذى زرع، والتجربة الثانية كنت متفرّجاً على مناظرة فرج فودة، التى كانت سبباً مباشراً فى اغتياله، ورغم أنه لم يهاجم الإسلام بربع كلمة، بل انتقد تيار الإسلام السياسى، إلا أن من اغتالوه وصفوه بالكفر دون أن يفهموا مراد كلامه فى المناظرة، بل ودون أن يقرأوا كلمة له، وثالث تجربة هى تجربة الباحث الإسلامى جمال البنا، الذى كان دوماً يتعرّض لتطاول وسفالات من مناظريه، وخلصت إلى نتيجة من تلك التجارب هى أنه لا جدوى فى عالمنا العربى من المناظرات بين تيار الدولة المدنية والدولة الدينية!.فمن يروّج للدولة الدينية يصادر الحوار من أول لحظة، لأنه يتكلم باسم الله، فيُصبح ما نُسميه حواراً، هو فى الحقيقة نفياً للحوار، إملاء وليس تبادل آراء، لأن من يتحدث باسم الله وضع نفسه فى موقف محتكر الحقيقة، لذلك فى عالمنا العربى هذا النوع من المناظرات يموت قبل أن يولد، وهناك نقطة أخرى نحتاج معها إلى محاضرات تعريف وشرح وليس إلى مناظرات جدل وشجار، وهى نقطة أن من يستمع لمحاضرة عن العلمانية مثلاً، هو يجهل أساساً ما هى العلمانية؟!.وإذا كان المتفرج أو المستمع يجهل الموضوع أو العنوان الذى ستدور حوله المناظرة، فكيف ستطلب منه أن يتفاعل أو يفهم أو يُغيّر رأيه فى أثناء أو بعد المناظرة؟، نحن نشاهد المناظرات بقرار مُسبق شكلناه قبل المناظرة وسنظل مصرين عليه بعد المناظرة، نحن لا نتابع المناظرات بمسام عقلية مفتوحة، ولكننا فى مجتمعاتنا نتابعها بعقول أسمنتية مصمتة، وفى معظم الأحيان يشطب اللاوعى من على الشاشة ذلك الضيف الذى يكون رأيه مضاداً لهوانا أو مخاصماً لفكرنا، ويصبح شبحاً وكأننا لا نراه!، لذلك طريق الاستنارة لن تصنعه مناظرات حلبات المصارعة، ولكن بأن نتحصل على المعرفة بحرية، وأن تطرح الآراء دون خطوط حمراء أو سقف منخفض.هناك درس من الممكن أن نتعلمه، خاصة من مناظرة فرج فودة، وهو أن الشباب الذى لم يكن قد عاش زمن فرج فودة ووُلد بعده بسنوات طويلة، ولم يكن قد سمع عن المناظرة أصلاً، بدأ يبحث وينقب عن كتبه، ويحمّلها من على الإنترنت، ويثير حولها مناقشات ثرية وناضجة على السوشيال ميديا، وهذا يُثبت أن الأفكار لا تموت، الأفكار لها أجنحة محلقة، قادرة دوماً على الطيران، وحتى لو سجنتها فى قفص، سيظل تغريدها متجاوزاً كل القضبان والزنازين، وهذا ينقلنا إلى الدرس الثالث الذى لا بد أن يستوعبه المثقفون، وكل من يريد دخول معركة التنوير، ليس ضرورياً أن ترى حصادك فى حياتك، ابذر البذور فقط، وامضِ فى طريقك غير عابئ بالسباب والشتائم وكتائب الهجوم، ما دمت مقتنعاً، ما دمت صادقاً، ما دمت تطرح قضيتك بموضوعية وجرأة ولغة راقية، كثير من أفراد كتيبة التنوير متسرعون فى حصد الثمار، وهو حق مشروع وحلم مستحق، لكن معركة التنوير فى بلادنا ماراثون يحتاج إلى نَفَس طويل وعزيمة صلبة، فأنت فى هذه المعركة تسير فى حقل ألغام، هى ألغام فكرية راسخة وعمرها آلاف السنين من ترويج خرافات وبيع أوهام وتخدير عقول وتسميم أرواح، المعركة ليست سهلة، ولكنها ليست مستحيلة.